المقريزي

84

إمتاع الأسماع

ولمسلم من حديث أبي الأحوص عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب قال : صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا حتى نزلت الآية التي في البقرة ( وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره ) ( 1 ) ، فنزلت بعد ما صلى النبي صلى الله عليه وسلم فانطلق رجل ( من القوم ) ( 2 ) فمر بناس من الأنصار وهم يصلون ، فحدثهم ( بالحديث ) ( 3 ) ، فولوا وجوههم ( نحو القبلة ، وهو البيت ) ( 4 ) وخرج البخاري من حديث زهير ، حدثنا أبو إسحاق عن البراء أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أول ما قدم المدينة نزل على أجداده - أو قال : على أخواله - من الأنصار ، وأنه صلى قبل بيت المقدس سنة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا ، وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت ، وأنه صلى أول صلاة صلاها صلاة العصر ، وصلى معه قوم ، فخرج رجل ممن صلى معه فمر على مسجد فيه قوم راكعون فقال : أشهد بالله لقد صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مكة ، فداروا كما هم قبل البيت ، وكانت

--> ( 1 ) آية 144 / البقرة . ( 2 ) زيادة من رواية مسلم . ( 3 ) في مسلم : " فحدثهم فولوا " . ( 4 ) ما بين الحاصرتين ليست في مسلم ، ورواية مسلم : " فولوا وجوههم قبل البيت " . وفي هذا الحديث - حديث البراء - دليل على جواز النسخ ووقوعه . وفيه قبول خبر الواحد . وفيه جواز الصلاة الواحدة إلى جهتين ، وهذا هو الصحيح عند أصحابنا من صلى إلى جهة بالاجتهاد ثم تغير اجتهاده في أثنائها فيستدير إلى الجهة الأخرى حتى لو تغير اجتهاده أربع مرات في الصلاة الواحدة ، فصلى كل ركعة منها إلى جهة صحت صلاته على الأصح ، لأن أهل هذا المسجد المذكور في الحديث استداروا في صلاتهم واستقبلوا الكعبة ولم يستأنفوها . وفيه دليل على أن النسخ لا يثبت في حق المكلف حتى يبلغه ، فإن قيل : هذا نسخ للمقطوع به بخبر الواحد ، وذلك ممتنع عند أهل الأصول ، فالجواب : أنه احتفت به قرائن ومقدمات ، أفادت العلم ، وخرج عن كونه خبر واحد مجردا ، واختلف أصحابنا وغيرهم من العلماء - رحمهم الله تعالى - في أن استقبال بيت المقدس هل كان ثابتا بالقرآن ؟ أم كان باجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم ؟ فحكى الماوردي في ( الحاوي ) وجهين في ذلك لأصحابنا . قال القاضي عياض - رحمه الله تعالى - : الذي ذهب إليه أكثر العلماء : أنه كان بسنة لا بقرآن ، فعلى هذا يكون فيه دليل لقول من قال : إن القرآن ينسخ السنة ، وهو قول أكثر الأصوليين المتأخرين ، وهو أحد قولي الشافعي ، رحمه الله تعالى - . والقول الثاني له ، وبه قال طائفة : لا يجوز لأن السنة مبينة للكتاب فكيف ينسخها ؟ وهؤلاء يقولون : لم يكن استقبال بيت المقدس بسنة ، بل كان بوحي .